أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
449
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : وَأَقامَ الصَّلاةَ عطف على صلة « من » وهي : آمن وآتى ، وإنما قدّم الإيمان لأنه رأس الأعمال الدينية ، وثنّى بإيتاء المال لأنه أجلّ شيء عند العرب وبه يتمدّحون ويفتخرون بفكّ العاني « 1 » وقرى الضّيفان ، ينطق بذلك نظمهم ونثرهم . قوله : وَالْمُوفُونَ في رفعه ثلاثة أوجه : أحدها : - ولم يذكر الزمخشري غيره - أنه عطف على « من آمن » ، أي : ولكنّ البرّ المؤمنون والموفون . والثاني : أن يرتفع على خبر مبتدإ محذوف ، أي : هم الموفون . وعلى هذين الوجهين فنصب « الصابرين » على المدح بإضمار فعل ، وهو في المعنى عطف على « من آمن » ، ولكن لمّا تكرّرت الصفات خولف بين وجوه الإعراب . قال الفارسي : « وهو أبلغ لأنّ الكلام يصير على جمل متعددة ، بخلاف اتفاق الإعراب فإنه يكون جملة واحدة ، وليس فيها من المبالغة ما في الجمل المتعددة . فإن قيل : لم لا يجوز على هذين الوجهين أن يكون معطوفا على « ذوي القربى » أي : وآتى المال الصابرين ؟ قيل : لئلّا يلزم من ذلك محذور وهو الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه الذي هو في حكم الصلة بأجنبي وهو الموفون . والثالث : أن يكون « الموفون » عطفا على الضمير المستتر في « آمن » ، ولم يحتج إلى التأكيد بالضمير المرفوع المنفصل لأنّ طول الكلام أغنى عن ذلك . وعلى هذا الوجه يجوز في « الصابرين » وجهان : أحدهما : النصب بإضمار فعل كما تقدّم . والثاني : العطف على « ذوي القربى » ، ولا يمنع من ذلك ما تقدّم من الفصل بالأجنبي ، لأنّ الموفين على هذا الوجه داخل في الصلة فهو بعضها لا أجنبيّ منها . وقوله : إِذا عاهَدُوا « إذا » منصوب بالموفون ، أي : الموفون وقت العهد من غير تأخير الوفاء عن وقته . وقرأ الحسن والأعمش ويعقوب : « والصابرون » ، وحكى الزمخشري قراءة : « والموفين » و « الصابرين » . قال الراغب : وإنما لم يقل : « وأوفى » كما قال « وأقام » لأمرين : أحدهما : اللفظ ، وهو أنّ الصلة متى طالت كان الأحسن أن تعطف على الموصول دون الصلة لئلا تطول وتقبح . والثاني : أنه ذكر في الأول ما هو داخل في حيّز الشريعة وغير مستفاد إلّا منها ، والحكمة العقلية تقتضي العدالة دون الجور ، ولمّا ذكر وفاء العهد وهو ممّا تقضي به العقول المجردة صار عطفه على الأول أحسن ، ولمّا كان الصبر من وجه مبدأ الفضائل ومن وجه جامعا للفضائل إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ غيّر إعرابه على هذا المقصد » وهذا كلام حسن طائل .
--> ( 1 ) الأسير .